أن تصبح شريرًا فجأة
بعد سنوات من الشهرة الجميلة، فجأة أصبحتُ شريرًا
في فيلم "١٢ رجل غاضب" ناقشَت هيئة المحلفين شهادة رجل عجوز، يقول أنها رأى جريمة القتل بعينه، وكان شاهد العيان الوحيد.
في النقاش، حاول عضو هيئة المحلفين التشكيك في رواية هذا الرجل، يقول : هذا رجل عجوز يعيش على هامش الحياة، لم يهتم له أحد، لم يقتبسه أحد. ربما يكذب اليوم محاولًا لفت الانتباه، يريد أن يقتبسه أحد مرة واحدة في حياته على الأقل قبل موته.
هذا المشهد أصابني بذهول، نبّهني على شيء لم أنتبه له، وحفر في ذهني فكرة مهمة.
آنذاك، كنت في بداية شهرتي البسيطة على تويتر، يتابعني قرابة الثلاثين ألفًا.
كان عاديا بالنسبة لي أن "ألف واحد يسوي لي ريتويت" كانت تسمى "ألفية" قبل أن تظهر المشاهدات على التغريدة ويُصبح اسمها "مليونية"، وكنت معتادًا على الألفيات والمليونيات كل شهر.
كنت أبحث باسمي في تويتر وأجد تغريدات جديدة كل يوم.
اضغط هنا، لترى نتيجة البحث باسمي بين عام ٢٠١٦ و عام ٢٠١٨، شعر واقتباسات وحب وروقان والدنيا بخير.
كنت أشعر بشعور جيد، ولكن: تعودت.
نعود الآن للفيلم، لذلك المشهد، الرجل العجوز الذي يشعر بفراغ عميق في قصة حياته لأنه لم يُقتبس يومًا.
عندما رأيت ذلك المشهد، انتبهت أنه غير عادي! بل معجزة، أن يوافق على كلامك ألف شخص، ويقولوا: هذا كلام صحيح ويمثلني، حاتم يمثلني.
أو أن هذا البيت الذي كتبته، يشرح مشاعري، يشرحني.
أنا، مؤثر.. مُتابَع.. مُعجَب به، مرضي عنه، يالها من معجزة!
قلت لنفسي: كل مرة أرى بعيني ريتويت، أو مديح، تُبنى حجرة جديدة داخل شخصيتي في جدار الثقة بالنفس.
تُبنى حجرة جديدة من الرضى عن الذات.
بشكل غير واعي: أحب شهرتي، وأحب مشاهدة عدد الريتويت العالي، وأحب البحث عن اسمي وإيجاد تغريدات جديدة كل يوم.
ولكن الحقيقة أنها معجزة مهما اعتدت عليها، لم يحصل عليها سابقا إلا الرسل والملوك، وأنها تؤثر في شخصيتي وهويتي بشكل لا أستطيع تصوره.
لذيذ جدًا الرضى، لذيذ على النفس عدد المشاهدات العالي، لذيذة الشهرة.
بعد سنوات عديدة من كل هذه اللذة.
فجأة..
هاشتاق.
غضب جماعي. شتائم. أمنيات بالسجن والموت والترحيل. تهديدات بالاغتصاب والقتل. رسائل لزوجتي وأمي وأخوتي وأبي بكل ماهو قبيح. شتائم للموتى من عائلتي. هجوم على واتساب واتصالات بالجملة وتهديدات وشتائم. تهديدات باغتصاب طفلتي، وزوجتي، وأمي، من أرقام حقيقية.
أكبر حملة غضب جماعي في تاريخ تويتر هُنا، عليّ أنا، حاتم، إنسان عشريني لم يؤذ في حياته أحدًا، لم يشتم في تويتر أحدًا برغم كل حملات الغضب السابقة عليه، لم يُعِد تغريد أي تغريدة بهدف تجييش متابعينه عليها، لم يرد على إساءة قط، لم يشتم في حياته أحدًا قط، لم يضرب أحدًا قط، لم يرفع صوته في حياته كلها.
إنسان هادئ جدًا، حساس جدًا، يراعي مشاعر من حوله، يحب زوجته وبنته وأمه، يحب نفسه، يحب السعودية قطعا، ويحب الناس.
إنسان يحب الناس لدرجة أنه مشغول بصناعة محتوى حقيقي يفيدهم، لا يكترث للإعلانات ولا المال مقابل صناعة محتوى بجودة عالية، يؤثر ويفيد حقيقةً.
إنسان يرفض استضافة المشاهير في مربع مع أنها تجلب المشاهدات والمال، ولكنها لا تفيد الناس.
إنسان يعمل من قلبه، للناس والله للناس.
فجأة هوجمت كل هذا الهجوم، وشُوّهت كل هذا التشويه، وصُوّرت بأبشع الصور ووُصفت بأبشع الأوصاف، وحصل ما حصل.
لا أكتب ما أكتب استعطافًا ولا شكوى، لأنني مؤمن بمسؤوليتي الكاملة عن نفسي وقراراتي، الشهرة قرار، أكلت ثمرته اللذيذة راضيًا، والآن أتجرع سمه الكاوي، فلا بد أن أرضى بشره كما رضيت بخيره.
هذه التجربة علمتني أن الحياة ثنائية كاملة بين النجاح والفشل، الحب والكره، العدل والظلم، الجمال والقُبح، الخير والشر.
الحياة ليست الجانب المشرق فقط، كما أن الجانب المظلم ليس استثناءً مؤقتًا وغريبًا عليها، هو الحياة، هو نصفها ومكملها، هو معناها.
الاعتراض على قضاء الله، هو فصل هذه الثنائيات عن بعضها، فمن يقبل بالجانب المشرق من الثنائية ولا يقبل بنصفها الثاني، لن يهنأ عيشه ولن تستقر نفسه ولن يصفو ذهنه، فهو في معضلة ذهنية ونفسية مستمرة: كيف يحدث كذا! لماذا يحدث كذا! يجب أن لا يحدث كذا، لماذا أنا!
أما الرضى، فهو قبل أن يكون مرتبة إيمانية عالية، فهو قرار منطقي صحيح، يحل معضلة الوجود الأصعب، ويسهّل على الإنسان التماهي مع المشكلات، والرقص على إيقاعات الحرب.
الآن، أرضى بما جلبته لي الشهرة من أذى، كما رضيت بما جلبت لي من نعم.
أرضى بعشرات الآلاف الذين لا يعرفون عني سوى الصورة المشوهة التي رُوّجت، ويكرهونني من قلبهم، ويتمنون لي الأذى، أو على الأقل "الترحيل" وأن أخرج من أرضهم وبرهم وبحرهم وإعلامهم وشاشاتهم.
أرضى بأن هؤلاء ليسوا "بوتات" ولا أشخاص سيئين، بل أشخاص طبيعين كان من الممكن أن يكونوا جيران أو أصدقاء، عرفوا صورة مشوهة عني، وأصبحتُ نموذجا لشيء يبغضونه "هذا الأجنبي الجاحد الي ياكل من خيرنا ويكرهنا ويستغلنا وياخذ أماكننا وفرصنا"، فانصب غضبهم من ذلك النموذج، عليّ أنا شخصيًا.
أرضى بالمؤجر الذي رفض إكمال إجراءات العقد في اللحظات الأخيرة لأنه عرف أن المستأجر هو ذلك البغيض، أنا.
أرضي بالشاب الذي وبخني وأنا على كرسي الحلاقة لمدة ١٥ دقيقة برغم محاولاتي بالتلطف معه، ولكنه استمر يوبخني وهو يصور بجواله، يريد أن يحصل على رد يصنع حلقة جديدة في مسلسل الهاشتاق.
أرضى بمعارفي المشاهير الذين أخرج معهم ولا يصورونني.
أرضى برغبة عائلتي في عدم عودتي للشهرة أبدًا، من مبدأ يالله السلامة.
أرضى بخالة صديقي السبعينية، التي سمعت اسمي في مجلسهم يوما فقالت: الله يلعنه هذا الي يكره السعوديات، وحاول صديقي إقناعها أني شخص طيب، وفشل.
أرضى بوجود آلاف الخالات والأعمام مثلها في مجتمع سأستمر في العيش به، وأعود لأكون مشهورا به قريبا ان شاء الله.
أرضى بأن اسمي الذي لطالما ارتبط بمعاني سامية، وشهرتي الي جلبت له جاهًا جميلا وفخرًا، ارتبط الآن بعكس ذلك تماما، أصبح عبئًا.
أرضى بأنني لن أستطيع التعامل مع معلنين ولا شركات، وأنه سيخاف الجميع مني لفترةٍ، أو للأبد.
أرضى بالشخص الذي كان يراسلني لسنوات على الإيميل ويراني نموذجا للشخص المثابر، ثم اكتشف أن وجود أمثالي سبب فشله في حياته.
أقبل أنني إلى الأبد سأستقبل مثل هذه الرسائل. -هذا واحد مستمر يرسل من أشهر، ماخذني دوام-
أرضى بكل هذا، لأنني قبلت قبله اللذة، الآن أقبل الثمن.
قلبي صافٍ من كل حقد وغضب، حتى على من آذى وشوّه وحقد.
ذهني صافٍ وجاهز للمرحلة القادمة، التي يجب أن تكون أعظم من سابقتها.
همتي عالية، صملتي جاهزة.
اليوم أصبح لدي تحدٍ جديد:
كيف أعود لعالم الشهرة والمحتوى بعد هذه الحملة، كيف أتصرف بحكمة، كيف أحجم عن رغبتي بالانتقام والغضب، كيف لا أرد على الشتائم والأمنيات السيئة، كيف أضمن لأسرتي ونفسي حياة كريمة ودخلًا ممتازًا، كيف لا تؤثر هذه النكسة على جودة حياتي وحياتهم..
ولكن أبشركم، أنا عنيد.
المشاكل تحفزني لا تحبطني، والآن قدمت لي الحياة مشكلة صعبة، وأنا جاهز لها بعون الله، فأهلًا بالفعاليات 🔥.
الصملةُ الصملة؟ الحين الصملة الصملة ياحبيبي 😂







نعرفك، والتمسنا معدنك النظيف
نعرف رفال -زوجتك- وشفت عبر سناباتها اطيب انسان واكثر انسان يواجه الحياة بشغف فائق وحب عظيم
ولكن مثل ما كان لشهرتك وجهين
للسوشل ميديا ايضًا وجهين، فهي مثل ما كانت منبر للمثقفين ومنبع للاشياء الجميلة
اصبحت ايضًا المنصة الاولى لكل غاضب ومتعصب وحقود وضعيف النفس .. الاشخاص اللي يهوون الشتيمة والعنصرية تحت مسميات مالها معنى لا يرضاها دين ولا يرضاها عقل
وما كنت لحالك اللي تعرض لحملة التشويه هذي ..فخَلَفَك الكثير من الادباء والمحترمين اللي تمت محاولة تلبيسهم امور لا هي لهم ولا هي قدهم ولا هم أهل لهذي الأمور..
خلي عزاءك بأن كُلّ امرئٍ مبتلى ، وعلى قدر ما ربي يحب عبده بقدر ما يخشّن عليه الابتلاء والمحن .. فيه امور لن نعرف مالحكمة منها ولكن تكفينا معرفة بأن من دبرها هو الله رب العالمين الذي تنفذ خزائن الارض ولا تنفذ خزائنه من ارزاق واطياب وانعام و (رحمات)
عودًا حميدًا .. يكفينا من الدنيا شوية اشخاص نبادلهم المشاعر الصادقة ..ويغنينا ذلك عن الاف او ملايين المتابعين اللي بعضهم قد يحبنا والبعض الاخر يكرهنا ولا يكّن لنا غير الحقد والبغض
لولا النقائض في الحياة لما استلذّيت بأي شي يا صديقي، لولا الشرّ لم نُدرك الخير ولولا الكُره لم تُقدّر الحبّ.
طول الفترة الماضية وانا انتظر منّك أي خبر، بخير ؟، ما زال متأثر باللي صار ؟. ونزلت هذي المدوّنة التي انتظرتها طويلًا.
لم أكن أريد من المدوّنة لا تبريرًا ولا أسفًا. أُردتّ فقط قراءة شيء يؤكد لي ان عملك لن يتوقّف عند هذا الحدّ، بل لك رجعة. ف طول ما أنا اقرأ كنت انتظر سطر يؤكد انك ستعود، ثمّ قرأت هذا السطر ؛
“ ولكن أبشركم، أنا عنيد.
المشاكل تحفزني لا تحبطني “
ما بيدّك تغير نظرة النّاس عنّك، بس بيدّك انك تتصرّف بحكمة لـ الفترة الجاية.ولو قعدت تطارد كل كلمة وصاحبها، لا ضاعت سنين عُمرك خلفها.
وفقك الله يا صاحبي والله يوفقك ويِيسّر أمورك أيّنما ذهبت وأينما حللت.