ملَك، أختٌ كبيرة
في انتظار بنتي الثانية..
هذه الأيام تتوقف الحياة في بيتنا الصغير، ترقبًا لقدوم بنتي الثانية، التي أصبح بينها وبين الحياة أيام معدودة بإذن الله.
إن الولادة معجزة، وإن الأبناء لأعظم إنجاز ينجزه المرء، ولو شق الجبال ووصل إلى المريخ وكتب أذكى نماذج الذكاء الاصطناعي، فلا شيء أعظم من الولادة، ولا شيء أعمق معنًى في حياة المرء من معنى العائلة والأبوّة.
وإني لأزعم أنك لو سألت أثرى الأثرياء وأنجح الناجحين عن أهم شيء في حياتهم، فالجواب واحد: أبنائي.
ولو سألتهم عن أشد ما ندموا عليه نهاية عمرهم، فالجواب واحدٌ أيضًا: التقصير معهم.
فهاهو إيلون مسك لا يغني عنه ماله ولا ثراؤه ولا علمه عن الانكباب على الإنجاب (لديه ١٤ ابن) والاهتمام بالأطفال والدعوة للإنجاب وتكثير أمة العم سام، والتحذير من خطر الانحدار السكاني في الغرب.
وهاهو سام التمن يصف لحظة ولادة طفله الأول، وكيف أنها جعلته يعيد النظر في أثر الذكاء الصناعي على البشرية. فالولادة كشفت له جوانب عن الحياة والإنسانية، كانت خافية عنه، لا يكشفها الذكاء ولا العبقرية ولا العلم، بل الولادة والولادة فقط.
إن لحظة الولادة هي ولادة للأبوين لا الطفل، تخرجهم من طورٍ إلى طور.. ومن حياةٍ إلى حياة.. فبعد الصرخة الأولى....
فبعد الصرخة الأولى لا يعود شيءٌ كما كان، إلى الأبد.
وكما تتفتح الحياة في وجه هذا المولود فجأة، يصبح الشاب أبًا، والبنت أمًا، فجأة.
في لحظة واحدة مفاجئة، تنجلي أولويات ومعانٍ جديدة في حياة شابين كانا يعيشان لأجل أنفسهم، فصارا يعيشان لأجل هذا المولود.
فجأة، سيعاد ترتيب كل الأولويات، وستنبثق معانٍ جديدة للحب والخوف في قلوب أبٍ وأم، كما ينبثق الهواء إلى صدر الطفل، والحليب من صدر أمه.
هذه تجربةٌ لا يمكن وصفها
إنما تتحصل بالتجربة والتجربة فقط.
إنني لا أزال أذكر دهشتي الأولى لمّا سمعت صرخة بنتي ملك الأولى، واليوم أرى كيف أصحبتُ شخصًا مختلفًا، وصارت حياتي مختلفة. أصبحتُ أبًا قبل كل شيء، ثم في مرتبة أدنى من هذه المرتبة، تأتي أدواري وحياتي ومكتسباتي، مهما علا شأنها عندي وعند الناس.
فملك هذه الصغيرة، إذا نلت منها الود فالكلّ هيّن والله، إذا لعبَت وضحكَت ترخص في عيني الدنيا بمن فيها سواها. وإن طلبَت فأعطيتها فرضيَت، فلا أحدٌ بعدها أرجو رضاه، وإن قالت: “بابا أنا مرة أحبك” نسيتُ كل أصناف الحب غيرها. وإن تكلمت بلسانها المتعثر، فديت بعثراتها بلاغة طه حسين والعقّاد والمنفلوطي.
وأنا في حضرتها مهرجٌ سخيفٌ كثير الرقص والقفز، فخذي يا ملك وقاري وأطربي قلبي المتعب من وقاره.. بضحكتك الحرة.
وملك يعجبها اللحن في الكلام وتقليب حروف الكلمات ومدها، وهي تعرف الكلام الصحيح، لكنها تحب تخريبه عمدًا مازحة، ففداكِ يا بنتي اللغة وعلومها وعلماءها ونحوها وصرفها. فالبيان ضحكتك، والبلاغة فرحك، والشعرُ كل الشعر كلماتك المخربة.
وهاهي أخت ملك تقترب من الحياة وتقترب منها الحياة. وتشوّقني إلى أطوارٍ جديدة من الأبوّة، فبيتنا الصغير يكبر، وهي مولودة بعد مولودة بينهما عمرٌ قصير، كيف يا تُرى ستستقبل ملك أختها؟
وكيف سنقنعها أنها لا تستطيع حملها في حقيبة ظهرها والذهاب بها إلى البقالة، أو أن تتقاسم معها أكلها وشربها، أو أن تلعب معها ألعابها المفضلة في الأشهر الأولى. كيف سيكبران معًا يا ترى، وكيف سنكبر نحن معهم؟
يا معجزة الخالق..
يا آية الرحمن..
يا درة قلبي..
كلّي شوق للقائك، لتفتّح عينيك الجديدة في الوجود، لحركات أناملك الصغيرة العابثة، ليدك الصغيرة تقبض إصبعي كأنّما تقبض على العالم، لنموّك أمام عيني كما تُزهر الورود، لكلماتك الأولى وعثرات خطواتك.
لكِ ولحياتك بيننا.. كلي شوق.
جدة،
بجانب أمٍ نائمة تتقلب وهي لا تدري بأي اتجاه تلقي ببطنها المثقل.
الجمعة، 28 تشرين الثاني، 2025.






مبارك عليكم سلفًا يا صديقي.. جعلها الله أيّامًا سهلة عليكم ومليئة بالعون والسرور.
وبانتظار مقالة -مفاجآت وصول الطفلة الثانية- وكيف أن لكل طفل بصمته ومساره الخاص داخل قلب الأب، وكيف تُعلمك تجربة الطفل الثاني التواضع بعد أن كنت متخيّل أنك “ختمت” موضوع الإنجاب والتربية🏃🏻♂️
ربي يبارك لكما ويرزقكما برّ ملك و أختها،، عدا ذلك بكيت😭😭😭😭 كثيرا يا حاتم من وصف حبك لملك حفظك الله لها وحفظها لك ولوالدتها.
ورحم الله والدي و والدتي،،
كان والدي يخاف علينا أن نذهب من مكة إلى جدة أيام حرب الخليج مع خالاتي، كان الآخرون يضحكون عليه، وكنا نتذمر لمنعه ذاك، هذا خبر بسيط لمدى حبه لنا لم نفهم معناه ولم نعيه إلا بعد عمر طويل وسنوات قاسية، فقلوب الأبناء يصعب عليها استيعاب حب الآباء إلا بعد التجربة، أو بعد الفقد...
ربّ ارحمهما كما ربياني وأختاي صغيرتان و ربّ ارحم كل الآباء والأمهات أحياء واموات.