أنا محبط وحزين..
اتفقنا أعطيكم أسراري.. اليوم النشرة فضفضة
كتبتُ النشرة، وفكرت كثيرا “أنشر ولالا”، مع أنني لا أحب الفضفضة على الملأ، ولكنني سأنشر، أريد أن أوثق رحلة العودة كاملة. ولأنني واثق أن النهاية بإذن الله حتما ستكون سعيدة، لا بأس بمشاركة عثرات الطريق.
هذه الأيام أمر بحالة من الإحباط والحزن، لا أعرف أهذا اضطراب ما بعد الصدمة الذي حُذرت منه، أم بسبب الفراغ، أم بسبب مواقف عدة محزنة حدثت لي في فترة وجيزة، مواقف تعيد لتذكرني بحياتي الجديدة الصعبة.
الموقف الأول
قبل عدة أسابيع، جاء إلى جدة أحد ضيوف مربع السابقين، وأكرمني بدعوة على العشاء مع عدد من الأصدقاء وضيوف مربع السابقين، كان لقاء طبيعيا وجميلا حتى قرر أحدهم توثيق هذه الأمسية اللطيفة، فتجمعوا جميعا على الكرسي المقابل لي، وطلبوا من أحدهم التقاط الصورة. لاحظتُ اجتماعهم في المكان البعيد عني وفهمت أنهم لا يريدون ظهوري معهم بالصورة، فانشغلت بجوالي للتخفيف من وطأة الموقف الصعب عليّ وعليهم، حتى قال أحدهم كاسرا الصمت "الله يالدنيا، الحين هو الي مطلعنا كلنا والحين خايفين نتصور معه"، أكملتُ انشغالي بالجوال بلا أي ردة فعل، حتى ظنوا جميعا أنني لم أسمع ما قال، ومضت الأمسية بسلام.
الموقف الثاني
جاءتني دعوة كريمة لمحاضرة عامة، وكانت أول دعوة عامة تأتيني بعدما حدث، فرحتُ واعتبرتها أول الخير، مع أنها فعالية صغيرة محدودة، حضرت وكنت سعيدا بالمحاضرة، لكنني حزنت كثيرا عندما رأيت الصور والمقاطع التي نُشرت بعد المحاضرة لتوثيقها، فقد كنت جالسا بالصف الأول، وكان بجانبي أكثر المتفاعلين والسائلين، وكان من المنطقي ظهوري في المقاطع عند نشرها، لكنني أُخفيت عمدًا، خوفا من ظهوري في حسابات منظمي الفعالية.
الموقف الثالث
خرجنا في عشاء مع بعض الزملاء، وكان أحدهم يريد إرسال صورة جماعية ظهرتُ فيها معهم لأحد أصدقائه، فأرسلها له في واتساب كرسالة مؤقتة.
الموقف الرابع
مقطع من مربع من لقاء قديم، صعد إلى الترند في تيك توك، لتمتلئ الردود بالشتائم وأمنيات الشر لي، بعد اختفائي من المشهد قرابة العامين، لازال الغلّ نشطا عند هؤلاء.
الموقف الخامس
ثمانية تتجلى في خطوتها الأخيرة العظيمة لنقل الدوري السعودي، والتعليقات عني لا تزال تلاحقهم، ولا يزال الناس يمنشنون أبومالح باسمي كفضيحة عليه، ولا يزالون يمنشنون ثمانية عني كذنب لن يطهره المطر عشرين عام.
أكذب إن قلت أن كل هذا لا يؤثر فيّ، أكذب إن قلت أنني أستطيع منع نفسي من البحث باسمي كل فترة، أريد أن أرى التغريدات عني توقفت، أن الناس قد شبعوا كرها وحقدا. أكذب إن قلت أنني أفهم سبب كل هذا الغل والحقد والكره.
كيف أصبحتُ فجأة عدوا لدودا لهؤلاء؟ كيف لا يطفى غضبهم علي ما حل بي وبحياتي وأهلي؟ كيف لا يزالون يذكرون اسمي أصلا بعد اختفائي كل هذا الوقت؟
أما مشكلتي الكبرى: أنني مصرٌّ على العودة لصناعة المحتوى، أشعر أنه أمرٌ حتمي، أشعر أنه واجب تاريخي شخصي، أن لا تكون هذه نهايتي، وأخاف أن يكون قرارا خاطئا مدفوعا بالعناد فقط، لكن يستحيل أن تكون هذه النهاية، يستحيل أن أتنازل عن واحد من أجمل الأشياء في حياتي لأن أناسا قرروا فجأة أنني أصبحت شريرا.
ليتهم يجلسون معي على كوب قهوة، يرونني على حقيقتي. ليتهم لم يُغفلوا عمدا مئات التغريدات التي كانت إيجابية في حق السعودية وشعبها وقادتها، ليتهم رأوا كيف كان مربع ينشر الإيجابية والمعرفة، وكله ضيوفٌ سعوديون، وكله حب للسعودية وأهلها، ليتهم يقتصون من مربع عشرات المرات التي كان المحتوى وطنيا جدا، ومن قلب بدون تزلف أو نفاق، ليتهم علموا أنني كنت في نفسي وبلا أي توجيه، أريد أن يكون مربع منسجما مع برنامج جودة الحياة من رؤية ٢٠٣٠، لأنني كنت مؤمنا فيه بشكل شخصي، وأريد أن يكون مربع متسقا وداعما لكثير من أهدافه.
ولكنها محكمة الإنترنت، لا عدالة ولا استئناف ولا فرصة لأحد أن يبرئ نفسه من سيل التهم الذي سيلتصق باسمه إلى الأبد.
هذه المواقف التي بدت وكأنها بوابة النجاة من النفي، أعادت لي النفي أكثر وأكثر.
أما هؤلاء الأصدقاء إن كان أحدهم يقرأ: فوالله لا أكتب ما أكتب غضبا منك ولا عتبا عليك، بل أفهم تماما صعوبة الموقف، فقد أصبح وجهي تهمةً واسمي أصبح عبئا، أعرف والله.
كثير علي كل هذا، ثقيل على قلبي والله.
ولكن، لا مفر لي من هذه المرحلة الصعبة إلا أن أتجاوزها، أن أعود لنشاطي وأنشر المحتوى الذي أحب، أن أتحمل السب والشتم والحقد والغل حتى يمضي أو لا يمضي، أن أمسك نفسي عن أي تفاعل سلبي معهم، أن لا أنتقم من أحد، أن أستمر وأستمر وأستمر بصناعة محتوى هادف جميل، كالمحتوى الذي كنت أصنعه طوال هذه السنوات، أن لا أتغير، أن لا تجعلني الكراهية شريرا، أن لا تصبح هويتي، أن أتجاوز كل هذا وأمضي، مع أنه لن يمضي، سيظل يلحقني إلى الأبد، لكن هذه الطريق الوحيد لي حتى أقوم بواجبي تجاه نفسي، وهذه الخطوة الوحيدة التي ستجعلني راضيا عن نفسي بعد عشرات السنين، أنني ما انكفأت ولا انطفأت، أنني صملت.

