تأبين المرحوم: مربع
أجّلت كتابة هذه التدوينة كثيرًا، خائف أن أرى "كان" بعد مربع
أكثر سؤال طُرح عليّ هذه الفترة: هل سيعود مربع؟ والجواب المختصر: لا 💔.
والجواب المطوّل.. في هذه التدوينة:
بدأتُ مربع قبل هَبّة البودكاست بسنوات، واستمر أكثر من ٩٩٪ من برامج البودكاست التي تبدأ بحماسة وتنتهي بسرعة. استمر عندما لم يكن البودكاست مشهورًا، ولا يجلب المال، ولا يعرفه الملايين، في أيام وسنوات عجاف صعاب، وبجهد فردي. وكما يحدث في قصص المعجزات، أصبح واحدا من أكبر وأهم برامج البودكاست في العالم العربي وأكثرها مشاهدة. أصبح شيئا مهما جدا في حياتي، يعرفني الناس منه، ويجلب لي الكثير من المال، وأصبحت من المخضرمين في هذا المجال.
ثم حدث ما حدث، وزلزلت الأرض من تحتي وتحت مربع، وجاءت المرحلة الحالية: أستطيع العودة إلى مربع، أستطيع العودة إلى عالم البودكاست، لا يوجد أي أسباب خارجية لعدم عودتي، الأمر متروك لي تماما، فهل أعود؟
"عُمر المرء، مفترقات طرقه"
وهذا مفترق طريق كبير لي ولتجربتي في البودكاست، فقراري اليوم قرار مصيري، وأنا بين خيارين:
إما أن أعود، وأخاطر بعودة باهتة يفقد فيها مربع عفويته وحريته وانطلاقه.
أو أن لا أعود، وأخاطر بتفويت فرصة عظيمة على نفسي، فأنا بنيته أيام ذل البودكاست، اليوم ونحن في أيام العز! ولم يبق إلا جدتي ما عندها بودكاست! وأنا مخضرم في هذا المجال! وهو شيء أثبت نجاحه! ويجلب أموالا ممتازة! وأتركه هكذا ببساطة!
أستطيع تقسيم صناع المحتوى إلى نوعين، مُقاول وفنان.
صانع المحتوى المقاول 🪜🛠️
المقاول ينظر إلى صناعة المحتوى كمشروع، يحتاج خطة تأسيس وميزانية واستراتيجية وفريق عمل، وله أهداف محددة في المشاهدات والمال، ولديه أطماع واضحة ومنافسون يراقبهم ويريد تجاوزهم، هذا النوع للأسف هو الغالب، وهو في نظري من لا يقوى الصبر على مشقة الطريق وطول السفر، وقلة المشاهدات والمال سنين طويلة.
كذلك، يستطيع الناس لمس قلة المصداقية في هذا النوع من المحتوى، فعدما تعتمد على المشاهير، وتبالغ في ردود الفعل، وتبحث عن اللقطة العاطفية والحماسية التي تجلب المشاهدات، يرى الناس ذلك فيك، ولا يُبنى لك عندهم شأن، أو كما يسمونه "هوية" ولا يتعاطفون معك ولا يحبون برنامجك كبرنامج، وهذا خطأ شائع عند صناع المحتوى المقاولين، الذين يعتمدون في برنامجهم على المشاهير واللقطات الترند، ويغفلون بناء هوية قوية للبرنامج، تصبح هي بذاتها ذات ثقل وأهمية.
النوع الآخر الذي أزعم أنني منه:
صانع المحتوى الفنان 🎨
الفنان لا ينظر إلى زحام الأرقام، لا يبحث عن المشاهير، لا يبحث عن الترند، إنما هو فنان حقيقيّ صادق شفاف، يريد حقًا أن يصنع محتوى يحبه ويفخر به، يستحي أن يخرج من محتواه شيء لا يمثّله ولا يجمله قدام الرجاجيل.
الفنان مستعد أن يمارس فنه حتى وإن كان فقيرا، حتى وإن قلت المشاهدات والمبيعات، حتى وإن مشى وحيدًا.
أزعم أن هذا النوع من الصناع هم الوحيدون القادرون على النجاح على المدى البعيد، لأن المجال صعب جدا، ولن يصمد فيه إلا من يعمل كأنه يلعب، يعمل بحب وشغف وفن ورضى، مهما كانت المؤثرات الخارجية.
هذا الصدق ينعكس على إنتاجه، فالناس تشعر به، تشعر أن هذا البرنامج يريد فعلا أن ينتج شيئا حقيقيا، يرتبطون معه بشدة ويثقون فيه، ويؤثر في حياتهم تأثيرا حقيقيا.
مربع كان بالنسبة لي….
أجلت كتابة هذه التدوينة أشهر عديدة، لأنني خائف أن أرى "كان" مكتوبة بعد مربع .. آه يا وجع قلبي، هاهي ذا، خرَجت، كان.
خلال هذه الأشهر، لم أفتح قنوات مربع ولم أشاهد أي شيء عنه، وكلما يخرج لي مقطع أو صورة عن مربع وأنا أتصفح الانترنت، أغض بطرفي ويوجعني قلبي، كأبٍ يرى صور ابنه الميت، لا يريد أن يراه"
عموما، مربع كان بالنسبة لي عملًا فنيًا، تجربة حقيقية للتعلم وملء فضولي الكبير تجاه الناس والعالم، كننا نحاول تفادي المشاهير، إلا مشهورًا لديه قصة حقيقية، لكن كقاعدة عامة: ممنوع المشاهير. ومما أفخر به، أن أعلى حلقات مربع مشاهدةً كان ضيوفها مغمورين، ومغمورين جدا في بعض الحالات.
وهذه معجزة، أن يصبح البرنامج قادرا بذاته على الوصول لملايين المشاهدات، معتمدا على المحتوى الحقيقي والصادق، على قصة عظيمة فعلا، على ضيف لا يعرفه أحد، لكنه شخص عظيم ولديه قصة تستحق أن تُروى.
وعندما أصبح معي في مربع فريق، كنا جميعا على نفس الصفحة، نتعامل مع مربع بنفس القداسة والحب، لا نتكلم عن الأرقام ولا الأموال، نفكر فقط في الحلقة القادمة، نريد ضيفا رائعا، من هو؟ وماهو الإعداد؟ ومتى التصوير.

لذلك كله، لن يعود مربع.
لأنه بالنسبة لي لم يكن مشروعا أريد أن أحلبه إلى آخر قطرة، لم يكن سُلّما أريده أن يوصلني إلى علاقات اجتماعية أو مكانة أو مال، كان تجربة إنسانية شفافة صادقة، وأخاف أن أعكر صفوها بعودة باهتة.
ستكون عودة بحدود كثيرة جديدة، لا أستطيع تحملها ولا مربع.
تعلم متى ترحل!
ذلك اللاعب الذي كان يحبه الجميع، لكنه تأخر في قرار اعتزاله حتى كرهه الناس، أو ذلك البرنامج الذي استمر بعد أن فقد وهجه حتى أصبح باهتا، أو تلك العلاقة التي استمرت بعد كل المؤشرات الواضحة لضرورة التوقف، أشعر أن هذه لحظتي لأقوم بالقرار الصائب: أرحل عن مربع وعن البودكاست.
وفي أدب الرحيل: النهايات الدرامية، ويالها من نهاية درامية غير متوقعة 😂.
الرضى كنز، وأنا راضٍ عما قدمته في مربع، وسيبقى في المكتبة العربية إلى الأبد، وفي قلوب وحياة من أثر بهم ونفعهم، وفي حياة الضيوف الذين تغيرت حياة الكثيرين منهم بفضل الله، وفي تاريخي الشخصي، وكل هذه المكتسبات لا يضرها عدم الاستمرار.
في هذا الفصل من فصول القصة، يبرز خوف جديد: ماذا لو كانت تلك هي قمتي، إلى الأبد.
ماذا لو كان أي شيء سأنتجه لاحقا لن يبلغ مبلغَ مربع، ماذا لو كانت هذه أكثر أموال أكسبها في حياتي!
وهو خوف مبرر وحقيقي، أعتقد أنه يدفع الناس الي اجترار تجاربهم الناجحة السابقة، ويطيل بقاءهم عندما يدق جرس الرحيل.
لكنني لست خائفًا، أزعم أن أسباب نجاح مربع موجودة داخلي، أستطيع تكرار ذلك النجاح بطرق أخرى بإذن الله.
أستطيع صناعة محتوى بشكل جديد ومنصات جديدة عليّ، وأوصل رسالتي وأؤثر في الناس وأنجح من جديد.
أستطيع أن أجلب أموالًا أكثر، وأن أصنع قيمة جديدة مختلفة، وأستمر في النجاحات بإذن الله.
فوداعا مربع 🫶🏻
وداعا مجال البودكاست 🫶🏻
وأهلًا بالقادم 🫶🏻🔥



يمكن ما تعرفني، ويمكن أبدًا ما تتوقع إنك أثّرت في شخص مثلي، لكني أكتب لك من قلب شاف فيك أكثر من مجرد صانع محتوى.
أنا كنت من النوع اللي ما يقدر يكمل مقطع 10 دقايق، ما أطيق الجلوس ولا الاستماع الطويل، وكنت أشوف البودكاست شيء ثقيل وما يشدّني.
لكن في يوم، وأنا على طريق سفر، شغّلت “مربع” من باب التجربة… وانتهت الحلقة ثلاث ساعات وأنا منسجم بكل لحظة.
مو بس استمعت، حسّيت.
من بعدها، شيء داخلي تغير.
صرت أقدّر الاستماع، أشتاق للحوارات الحقيقية، وأبحث عن العمق بدل التمرير السريع.
وانت كنت بداية هذا التغيير.
لهذا السبب، رسالتك الأخيرة ما كانت مجرد خبر بالنسبة لي… كانت شيء يمسّني.
أعرف أن “مربع” كان أكثر من مشروع، كان امتداد لشيء فيك: شغفك، صدقك، احترامك للقصة، ولهويتك كفنان.
قرارك بعدم الرجوع له… أعرف تمامًا إنه ما كان سهل.
هو قرار شخص اختار يحمي التجربة، بدل ما يستغلها، وفضّل يحتفظ بقيمتها على إنه يخاطر بتكرار باهت.
وإذا كان فيه شي يثبت لي إنك فنان حقيقي، فهو هالقرار بالذات.
أنا مؤمن إن اللي قدر يصنع “مربع”، ما يحتاج يعيده…
لأن السر ما كان في البرنامج، كان فيك.
وأنت، بكل اختصار، ما زلت قادر تصنع شيء جديد، مختلف، مؤثر، وصادق… وعلى طريقتك.
شكراً لأنك صنعت أثرًا حقيقيًا.
شكراً لأنك كنت صادق، وثابت، وشجاع.
وشكراً لأنك خلتنا نشوف شكل مختلف من صناعة المحتوى، يشبه الإنسان، مش السوق.
بانتظار القادم، مو لأنك لازم ترجع…
لكن لأننا نعرف، إنك لو رجعت، بترجع بشيء ما يشبه إلا نفسك.
من أنجب مربع سينجب ماهو أقوى منه 😍