الكتابة كعلاج.. وتسريبات من مذكراتي الخاصة
وعدتكم أعطيكم أسراري، هنا مذكرات أول مرة يقرأها آدمي
"أنا سعيد وراضٍ جدا عن كل جانب في حياتي، بشكل مربك.
زواجي سعيد، بنتي بصحة وعافية، المال يتدفق، الشهرة تزيد، العمل عظيم، مربع ينمو صاروخيا، الحكومة تحبني 😂، وقابلت **** ** *****
أعترف أنني خائف من كل هذا، أشعر وكأنه حلم، فلا يمكن أن تكون الحياة بهذه الروعة.
وأشعر أنه شيء مؤقت، هو بالطبع مؤقت، لكن لكم؟ سنة؟ سنتين؟ ١٠ سنوات؟
أحاول أن أكون حكيما في تصرفاتي الآن، في هذه المرحلة العظيمة التي لا أعرف كم ستبقى ولا هل ستعود بعد أن تذهب.
أريد أن أنظر إليها بعد عشر سنوات، بلا ندم، وأن تكون كل تصرفاتي حكيمة ثقيلة رزينة.
اللهم بارك، وارزقني الحكمة والبصيرة والحمد.
الحمدلله..”
*من مذكراتي اليومية، ٥ يونيو، ٢٠٢٤، قبل أن تنقلب حياتي رأسا على عقب بأسبوع واحد فقط.
كنت قبل قليل أتجول في مذكراتي اليومية، التي كنت أكتبها يوميا بداية كل صباح، أجلس مع كوب كبير من الماء وأكتب ما يجول في خاطري، وأراقب أهدافي، أسرد مخاوفي وأرتب أفكاري، كانت عادة يومية عظيمة.
وأنا أتجول في المذكرات، ذهبت إلى الأسبوع الأخير قبل الكارثة، وتذكرت ماكان يجول في خاطري تلك الأيام: الحياة رائعة جدا، بشكل مربك.
حياتي الحمدلله جميلة، لكن لحظات الصفو فيها قليلة مقارنة بلحظات العواصف والهزائم والمحاولات الفاشلة، فعندما كانت كل جوانب حياتي ممتازة، كنت أشعر بشعور غريب، كأن الحياة تخدعني، كأن مصيبة كبيرة قادمة.
أخبرت صديقي المقرب في لقاء قبل الكارثة بيومين، أنني أشعر أن شيئا سيئا سيحدث قريبا، كنت أخاف من مرضٍ أو موتٍ يطالني أو يطال أحبابي.
زوجتي، قبل الكارثة بيوم واحد فقط، بكت فجأة، قالت: "أحس أنك بتروح مني"، بعدها خرجت مع أصدقائي في مخيم بالرياض، وهممت أن أركب الدباب الصحراوي، لكنني تذكرت خوف زوجتي وقلت: الحين أركب الدباب وأموت، تجيني بعدين تقول: شفت قلتلك!!!
هل كان تشاؤما؟ حدسا؟ أم اعترافا بحقيقة كونية:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ.. فلا يغرّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما عاهدتها دولٌ.. من سرّه زمنٌ.. ساءته أزمانُ
أشعر بشيء من الخجل وأنا لا أزال أكتب عن هذا الموضوع، أريد أن أمضي قدما وأكتب عن شيء مختلف، أريد أن يشغل بالي شيء آخر، ولكنني أعترف.. الخروج من هذا المأزق أصعب مما توقعت، الانتقال للمرحلة القادمة أصعب مما توقعت، عمليا ونفسيا.
المرحلة الصعبة التي أمر بها اليوم ليست جديدة عليّ، فقبل تلك المرحلة الذهبية من حياتي ٢٠٢٢-٢٠٢٤، كنت أمر بمرحلة صعبة جدا، صحيا ونفسيا وماليا واجتماعيا وأسريا 😂، الآن جاءني فضول للبحث في تلك المرحلة ووجدت ما يلي (أشارككم هذا النص بغصة في حلقي، فلم يقرأه أحد قط، حتى أنا لم أقرأه منذ أن كتبته)، ولكن: تمونون.
في مايو ٢٠٢٢، كتبت:
“أشعر أنني عالق في مرحلة غريبة، أيامي تمر بلا أي إنجاز يذكر، لا أعمل ولست موظفا في مكان، ليس عندي شيء أستيقظ من أجله كل يوم، أكلي مخربط ووزني ١١٠، أشعر بفراغ كبير في حياتي، وأحاول أن أخطو الخطوة التالية لكنني عالق.
بعد خمس سنوات من محاولات الزواج، تزوجت، ولكن جهد المحاولة خلف فراغا كبيرا في نفسي، فكل ذاك الحيز الكبير الذي كان يشغله موضوع الزواج أصبح الآن خاليا، وكل الطاقة والتركيز المنصب هناك أصبح للاشيء، ربما أشعر الآن كخريج جامعي لا يعرف أين يذهب، بعد أن صب كل جهده في التخرج وتخرج، فوقف فجأة ليقول: ثم ماذا؟
أقف الآن أمام نفسي وقد تزوجت، ولم أعد صغيرا، فلا يوجد في العمر وقت وحيز للتجارب العبثية واللانظام، لكنني لا أزال عالقا في المرحلة المنصرمة، الصبا؟ لا أعلم.
لكنني أعلم جيدا أن عدم وجود عمل ثابت يشغلني كل يوم، لم يعد مناسبا لحياتي الجديدة، فالآن هناك زوجتي التي تراني كل يوم نائما معظم الوقت، وبلا إنجاز، وهناك مخاوفها المالية عن عدم قدرتي على الصرف بشكل مستمر، وهناك أيضا فكرة الأبوة! يا إلهي كيف سأصبح أبا وأنا هكذا؟ مستحيل.
بدأتُ هذه الأيام بتأمل فكرة أنني بين مرحلتين فعلا، وأنني أنتقل لمرحلة جديدة يجب أن آخذ من المرحلة السابقة خيرها وأترك شرها، لأكون جاهزا لتحديات المرحلة الجديدة بطبيعتها.
في المرحلة القديمة، أنا حاتم الحر العفوي اللطيف، الذي لا يأبه برأي أحد به، ولا يخضع لكل العاديات الاجتماعية والمهنية، فطز بنظام الجامعة وطز بالوظيفة وطز بالأصدقاء والمجتمع، سأشق أنا طريقا خاصا بي، أصممه كيف أشاء.
هذه المرحلة جميلة، جميلة جدا، ففيها اكتشفت حياةً غير تلك التي كان ينبغي على من هو مثلي أن يشقها، وأنجزت الكثير وتعلمت الكثير، لكنني وأنا أكتب الآن، أكتشف حرفا بعد حرف أنها فعلا كانت مرحلة، وهي ليست أنا الذي يجب أن أكونه دائما.
فحاتم المرحلة الجديدة يجب أن يكون أكثر جدية وأكثر انضباطًا، فهو الآن زوج وقريبا بإذن الله أب، وأمامه مستقبل يجب أن يبدأ بناءه، انتهى الآن وقت التجارب والعفوية والفرفرة، يجب أن يبدأ البناء.
يجب أن يكون لدي عمل ثابت، ودخل ثابت، لنضع ميزانية واضحة لحياتنا ومنزلنا، فرفال المسكينة لن تقوى تحمل اللانظام الذي أتحمله أنا، فأصرف ما في الجيب ليأتيني مافي الغيب، الآن هناك "حساب الراجحي" الذي يجب أن أضع فيه ٥٠٠٠ شهريا لمصاريف البيت ورفال، فهناك على الأقل هذه ال٥ آلاف، التي اكتشفنا بعد شهرين أنها لا تكفي.
وهناك أيضا السفر، فأين هو الفائض من المال هذا الي نسافر به؟ خصوصا بعد العاصفة المالية التي عصف بها الزواج على حساباتي البنكية فتركها قاعا صفصفا.
وهناك هاجس الأبوة، الهاجس الجميل الذي أسأل الله أن يمن علينا به، ولكنه هاجس مالي صعب، فكيف أكون مسؤولا عن نفسي وبيت وزوجة وابن! وأنا لست منتظمًا في عمل ولا أعرف كم هو دخلي أصلا!
وهناك هاجس اللابناء هذا، أن أعمل وأعمل وأعمل، لآتي بعد عشر سنوات ولا أجد شيئا تم بناؤه، حصةً في شركة، رأس مال كبير، إرثا يمكن استدامته واستمراره.. الخ. فالنطنطة لا تبني إرثا، ولا تصنع مجدًا.
أما مشاكلي الشخصية بين كل هذا فلا أعلم أين محلها، هزائمي وتشتتي وسمنتي وصحتي، فلو استمريت على هذا الحال فسينتهي بي المطاف مريضا بالضغط والسكر في منتصف الثلاثينات على أقل تقدير، وخائبا ومهزوما. وهذا ما لا أريده بالطبع.
بين فوضى الأفكار هذه، قررت أن أقف وأنظر لحياتي، الماضي منها والحاضر والمستقبل، أحللها وأفهمها، لأعرف أكثر من أنا، ماهي مراحلي، ما المميز فيها وما السيء، وما الذي أريد أخذه معي لمرحلة جديدة، وما الذي أريد دفنه تحت طبقات من النسيان.”
كانت هذه المقدمة لمشروع كتابة طويل، تفرغت له ذلك الوقت، وكان هذا المشروع قرارا موفقا جدا الحمدلله، فمنه انطلقت للمرحلة التالية، التي أصبحت بحمدالله المرحلة الذهبية في حياتي.
هذا المشروع، هو من صناعة الصهيوني الجديد لعنه الله، جوردن بيترسون، الذي كنت أتابعه بحب حينها قبل أن يصبح عاهرةً صهيونية رخيصة بين يدي بين شابيرو وجماعته، جوردن لديه برنامج كتابة جميل اسمه "برنامج الكتابة عن النفس"، استفدت منه حقيقةً بعد أن عرّبته لنفسي، يقودك للتفكير والكتابة عن حياتك، في البداية يجعلك تكتب وصفا شاملا عن حياتك، ثم تكتب بالتفصيل الممل عن نقاط قوتك، نقاط ضعفك، فرصك المهدرة، الحياة التي تأمل أن تعيشها، الجحيم الذي تخاف أن يحل بك.
حقيقةً، استفدت من هذا البرنامج كثيرًا، كان بمثابة علاج نفسي، لأنني جلست مع نفسي لأيام، واستخرجتُ مني الكثير، ورتبت الكثير، وبما أنني كنت أكتب بشكل مستمر، كانت العادة واللياقة موجودة، وكان هذا البرنامج بمثابة الموجّه للمناطق التي ينبغي علي التأمل فيها.
الآن وأنا أكتب، أشعر بشعور أفضل، لم أكن أعرف عمّ سأكتب، لذلك فتحت المذكرات ورأيت ذلك الاقتباس، وقررت الكتابة عنه، ثم تذكرت أنني قبل تلك المرحلة الذهبية كنت أمر بمرحلة سيئة، فذهبت للمذكرات تلك، هذه الرحلة السريعة -معكم- ذكرتني بمراحل صعبة قديمة مررت بها وتجاوزتها بحمدالله إلى مراحل عظيمة، ومثلها هذه المرحلة بإذن الله تعقبها مراحل أجمل وأعظم.
بعيدا عن الحلطمة، أنصحكم بالكتابة كل يوم، وأنصحكم أيضا ببرنامج جوردن بيترسون.
سأقفل التعليقات لهذه النشرة، هربا من تعليقات التعاطف والمحبة، اعتبروها وصلت 🫶🏻، دعواتكم يا أحبة.


