سلسلة العودة الحاتمية: 1- جواب الأسئلة الكبرى
سلسلة جديدة، خطوات رحلة العودة بالتفصيل
كيف يعود إنسان من ظلام الكنسلة إلى نور الشهرة؟
كيف يعمل ويكسب عيشه من أصبح الجميع يخاف من الاقتراب والارتباط به؟
كيف ينهض من زُلزلت حياته بهذا الشكل فجأة؟
أسئلة صعبة وثقيلة، لها أجوبة متنوعة يلقيها عليّ من هم حولي، فلكل واحد منهم طريقة. "لا تعد للشهرة أبدا"، "خلك لو بروفايل"، "افتح مشروع بعيد تماما عن هذا المجال"، "هاجر وابدأ حياة جديدة في مكان آخر"، انتحر وارتاح وريح 😂.
أما أنا و بعد صفاء وتأمل واستشارات وتفكير، وجدت الجواب وقررت قراراتي المصيرية.
لن أهاجر، لن أبدأ حياة جديدة في مكان آخر، لن أرضى بالاختفاء والتنازل عن واحد من أجمل التجارب في حياتي: صناعة المحتوى، ولن أبقى في الظل، وسأبدأ مشروعًا تجاريا وسيتعامل معي الناس، وسأعود لأنتج محتوى ويتابعني الناس، وستكون الأمور طيبة بإذن الله.
1- لماذا قررت عدم الهجرة.
2- لماذا قررت العودة لصناعة المحتوى.
3- لماذا قررت إنشاء مشروع جديد، وماهو؟
سأجيب في هذه التدوينة عن هذه الأسئلة، وستكون هذه أول تدوينة في سلسلة طويلة بإذن الله، توثّق رحلة عودتي بشكل مباشر وشفاف وصادق، فحياكم معي في هذه الرحلة العجيبة، عسى أن تكون النشرات تتجه لأخبار أفضل كل مرة.

1- لماذا قررت عدم الهجرة.
كفلسطيني مولود في السعودية لا يحمل جنسيتها، يبدو قرار الهجرة منطقيا للكثير من الناس، حتى قبل أن يحصل ما حصل، وهو موضوع متردد ومشهور عند هذه الفئة، وقد مر عليّ كثيرًا وفكرت فيه كثيرا. فعندما تركت الجامعة في ٢٠١٦، كان عمري ٢١ ولم أكن متزوجا، كانت فرصة ذهبية للهجرة وبدء حياة جديدة في مكان آخر، أو على الأقل السفر لسنوات معدودة والحصول على جنسية غربية ثم العودة، ولكنني حينها فكرت واستشرت وقررت عدم اتخاذ هذه الخطوة، إيمانا مني بأن العيش في هذه البلد الطيب قرار منطقي، حتى بظروفي كمقيم وما يعنيه من بعض المحدوديات في العمل والدراسة وكسب المال كعدم قدرتي على إنشاء شركة باسمي، وصعوبة كسب المال بشكل حر بدون وظيفة وكفيل.
المواليد يشعرون أحيانا بالإقصاء والمظلومية، لأنهم كأشخاص لا يعرفون بلدا إلا السعودية، يشعرون أنهم سعوديون، ولكن النظام يتعامل معهم كمقيمين مؤقتين، عليهم تجديد الإقامة، والبحث عن "كفيل" يعملون تحته حصريًا ولا يكسبون المال إلا عن طريقه.
هذا التعامل يُشعر الكثيرين بالغضب والمظلومية والإقصاء، لكنني منذ سنوات عديدة قررت أن لا أتأثر بهذه الأفكار السلبية، وأن أتعامل مع هذه الأنظمة بشكل إيجابي ومتفهم، فوجودها ليس مؤامرة ضدي، ولا شخصنة معي، إنما هو تنظيم حكومي له أسبابه، وأنا لدي الخيار إما بالعيش فيه أو الخروج. "مو عاجبتك البلد اطلع برا" فكرة منطقية، فإما أن تعيش بالظروف المتاحة، وتحاول أن تنظر للجوانب الإيجابية من العيش هنا "وهي كثيرة طبعا"، وإما أن تخرج وتبحث عن بلد آخر.
أما أن تبقى، وتكره البلد وتكره النظام وتشعر بالمظلومية، فهذه خطوة حمقاء لن تقودك إلى مكان.
طبعا، قرار استمراري بالعيش في البلد التي هي وطني، أحبها وأحب ناسها، تبين بعد سنوات أنه كان قرارا منطقيا الحمدلله، فقد عشت منذ ٢٠١٦ حتى اليوم حياة عظيمة شخصيا ومهنيًا وماليًا.
فأولًا، السعودية هي وطني الذي عشت فيه وعاشت فيه عائلتي الممتدة منذ ٤ أجيال (منذ أبو جدي) أو كفلسطيني، منذ الـ ٤٨.
هذا الرسوخ العائلي يجعل الحياة في مكان آخر هجرة عن العائلة والذات، وهو انسلاخ صعب جدا.
كما أن السعودية بلد عظيم حقًا، الحياة الاجتماعية والعائلية والأخلاقية والدينية فيه جميلة، التعليم فيه رائع، الفرص فيه جبارة، والاقتصاد فيه منتعش جدًا.
أرى أن من يعش في السعودية، سواء كان سعوديا أو من المواليد أو مقيما جديدا، إذا فهم حجم الاقتصاد والفرص والنمو المستمر في التشريعات والتطوير الدائم، سينجح ويعيش حياة طيبة.
أما من يرى جوانب سلبية ويشعر بالمظلومية والمؤامرة، فبطبيعة الحال لن يستطيع العيش ولا الكسب ولا النجاح.
الآن، وبعد أن مررت بهذه الظروف، كانت فكرة الهجرة منطقية للكثير من الناس حولي، هربا من الواقع الصعب الجديد لي شخصيا، وكبوابة لبدء صفحة جديدة في مكان آخر، وقد قررت عدم الهجرة مجددا، للأسباب التالية:
أ- أهم ٢٠ شخص في حياتي هنا
أحد الأصدقاء الحكماء، قال لي: شوف وين أهم ٢٠ شخص بحياتك، وعيش قريب منهم، فمهما كانت الأماكن الأخرى تبدو جنة، سيكون بُعدك عن أهم الأشخاص في حياتك جحيما.
ب- السعودية عظيمة
الحقيقة أن هذه الدولة نهضت في جيل واحد بسرعة غير طبيعية، فالجيل المولود في الخمسينات الميلادية، عاش في قرى من غير كهرباء، اليوم يقودون شركات تقنية ومالية ونفطية ويتحدثون لغات متعددة ويساهمون في الاقتصاد والسياسة العالمية بشكل فعال، وفي الوقت نفسه يفخرون ببداوتهم وثقافتهم وإبلهم وشِعرهم.
يحب الكثير من العرب النظر للسعودية والخليج أنهم "بدو جهلة حصلوا على أموال طائلة من النفط"، وهذه نظرة قاصرة، فالنفط مورد طبيعي لم يكن ليبني نهضة ودولة لولا العقول التي أدارته بشكل فعال، اقتصاديا وسياسيا، كما أن "البدو" هؤلاء لو لم يكن لديهم الحكمة والجاهزية والحضارة وغيرها من السمات الشخصية كشعب، لم يكن النفط ولا أمواله أن تبني شعبا ولا دولة.
أقول هذا الكلام صادقا والله، وكنت أقوله دائما، ولا يهمني أن يظن البعض الآن أنه تزلف أو أو، لأنه رأيي الحقيقي الصادق الذي لا ينتظره أحد أصلا.
باختصار، قررت عدم الهجرة لأن من يهمني من الناس هنا، ولأن هذه البلاد عظيمة، ولأني لا أحمل في قلبي أي حقد أو غضب أو مظلومية، لا سابقا ولا الآن.
2- لماذا قررت العودة لصناعة المحتوى؟
بما أن هذا المجال كان سببا في كارثة حلت بي وبأسرتي، يتمنى الكثيرون حولي أن لا أعود أبدا للشهرة وصناعة المحتوى، وهذا خوف مفهوم طبعًا. ولكنني لم أشك لثانية واحدة في هذا القرار، سأعود حتمًا! كيف لا أعود!
الشهرة لذيذة، ومهما حاولت البحث عن أسباب منطقية وشريفة للعودة، يجب علي الاعتراف أن الوجاهة والشهرة لذيذة، وتركها طوعًا قرار صعب، تخيل أن تكون مليونيرًا، وتسجن بسبب المال، فتقرر أن لا تعود مليونيرًا؟! مستحيل.
أما الجانب المنطقي الذي أقوله لنفسي، أن صناعة المحتوى لها جوانب شريفة، التأثير ونشر الإلهام والتغيير شيء شريف جدًا، أزعم أنه يحفزني ويقود رحلتي في صناعة المحتوى من اليوم الأول.
أحب التأثير، أحب نشر خير، أحب أن أتواصل مع الناس وأعرف أن شيئا فعلته قد نفعهم، وهذه ثروة عظيمة لا أستطيع تركها، مهما كان الثمن.
هل سأعود لمربع؟ أو البودكاست؟ لهذا جواب مفصل في نشرة قادمة بإذن الله.
3- لماذا قررت إنشاء مشروع؟
أمضيت سنوات طويلة بلا وظيفة، بشكل طوعي الحمدلله، لأنني استطعت بفضل الله أن أحصل على المال بدون وظيفة، وهذه معجزة. اليوم أصبحت لدي مشكلة جديدة: لن يوظفني أحد أصلا!
فالحمدلله أنني حتى الآن مستقر ماليًا، ولكنها حالة مؤقتة، فالطريقة الوحيدة لكسب المال هي أن أصنع بنفسي شركةً ما، تنتج شيئا ما، يجلب لي المال.
بشكل غريب، أصبح إنشاء مشروع شخصي ضرورة قصوى وطوق نجاة وحيد، لا ترفا ولا استعراضا، لا توجد لدي فرص أخرى! يجب أن أبدأ مشروعا، يجب أن ينجح!
هذه الأسئلة كانت ملحة وصعبة عليّ وعلى أسرتي، اليوم بعد أن عرفت أجوبتها، أجد راحةً ومسؤولية، راحة لأن الطريق واضح، ومسؤولية لأن الخطوة التالية أصبحت ضرورية ومستعجلة، ولا يوجد أي عذر أو سبب للتأخير.
الشهرين الماضية خطوت خطوات صغيرة كثيرة نحو الوجهة الصحيحة، أبطأ من المأمول، لكن المهم أنني أمشي بالاتجاه الصحيح.
وهنا، في هذه السلسلة، سوف أشارككم هذه الخطوات بإذن الله، دعواتكم 🫶🏻.


تفكير رائع ومنطقي وأستطيع ويستطيع أي قارئ ان يلمس الجرح ويرى النور من بين سطورك
وخطوة صحيحة ان شاء الله يُرى فيها من أنت مرة أخرى بعين أوضح وأصدق
وعلى العكس تماما ، تؤكد انك استحقيت الشهرة والنجاح اللي رافقوك في البودكاست ، اذ أنك تكابد ما كنت تنصح الناس به
والله يوفقك، الكل متحمس للعودة الرائعة
بالتوفيق حاتم ! ناطرينك